القراءة والكتب في دمشق: كيف يحافظ الدمشقيون على علاقتهم بالمعرفة؟
لماذا تبقى القراءة “حاجة” في مدينة مرهَقة؟
الكتاب في دمشق ليس ترفاً خالصاً. كثيرون ينظرون إليه كوسيلة للبقاء متصلين بالعالم، ولحفظ لغةٍ وهويةٍ وثقافةٍ، وللبحث عن فرصة مهنية أيضاً. ومع ذلك، تغيّر شكل العلاقة بالقراءة في السنوات الأخيرة: تقلصت قدرة الشراء لدى شريحة واسعة، وارتفعت كلفة الورق والطباعة، وتبدلت قنوات الوصول إلى الكتاب.
على الرغم من ذلك، لم تختفِ الثقافة الكتابية. بل انتقلت إلى “قنوات ذكية”: شارع مكتبات، بسطات رصيف، استعارة من مكتبات عامة، وتبادل بين الأصدقاء، ونسخ رقمية حين تتاح. هذه ليست رومانسية عن القراءة، بل وصف واقعي لطريقة صمود المعرفة في مدينة كبيرة.
1) شارع الحلبوني: “اقتصاد كتاب” قرب الجامعة
عندما يُذكر الكتاب في دمشق، يظهر اسم شارع الحلبوني سريعاً. مصادر محلية تصفه بأنه حي قريب من محطة الحجاز وجوار جامعة دمشق، وأن هذا الموقع ساعد على تجمع المكتبات والمعاهد والأنشطة المرتبطة بالكتب والقرطاسية.
ما الذي جعل الحلبوني مهماً عملياً؟
- قربه من الطلبة، وبالتالي وجود طلب ثابت على الكتب الجامعية والمراجع والقرطاسية.
- تنوع البضائع بين جديد ومستعمل، وبين مناهج وكتب عامة.
- ثقافة “السؤال والمقارنة”: الطالب لا يشتري من أول محل، بل يقارن ويستبدل ويبحث عن النسخة الأنسب.
وتشير تغطية صحافية حديثة إلى تقلص عدد باعة الكتب في دمشق، مع الإشارة إلى بقاء نحو 20 مكتبة في منطقة الحلبوني وفق تقدير التقرير نفسه (مارس 2025).
هذا الرقم ليس إحصاءً رسمياً، لكنه مؤشر صحافي على اتجاه واضح: السوق ما زال قائماً، لكنه أصغر وأكثر حذراً.
2) بسطات الكتب: المعرفة “على الرصيف” عندما يصعب الوصول إليها
إلى جانب المكتبات، تكشف التقارير عن حضور بسطات الكتب في نقاط معروفة داخل دمشق. تغطية “عنب بلدي” (مارس 2025) تحدثت عن بسطات تحت جسر الحرية وغيرها، وقدمت أرقاماً تقريبية لعدد البسطات في مواقع محددة.
لماذا تنجح البسطات عادة؟
- لأنها تقدم سعراً أقل ومرونة أكبر.
- لأنها تبيع “الصدفة”: قارئ يمر، يرى عنواناً، يتذكر حاجة، فيشتري.
- لأنها تسمح بتداول الكتب بسرعة: بيع/شراء/استبدال.
وفي دمشق، لا تؤدي البسطات وظيفة تجارية فقط. غالباً تؤدي وظيفة “حارس ذاكرة”: كتب قديمة، طبعات سابقة، عناوين نادرة، ومجلات توقفت.
3) المكتبة الوطنية: بنية مؤسساتية للمعرفة داخل العاصمة
إذا كانت الأسواق هي “قناة الشراء”، فإن المكتبات الوطنية هي “قناة الحفظ والإتاحة”.
المكتبة الوطنية (المكتبة الوطنية السورية) تقع في دمشق قرب ساحة الأمويين، وتعمل كمكتبة وطنية وبوظيفة الإيداع القانوني وحقوق التأليف بحسب مراجع مرجعية.
وتذكر “بريتانيكا” أنها افتتحت عام 1984 وتضم مجموعات مهمة من مخطوطات وكتب نادرة (بما فيها مقتنيات مرتبطة بالمكتبة الظاهرية).
لماذا يهم وجود مكتبة وطنية فعّالة للقراء؟
- لأنها تقلل اعتماد المعرفة على القدرة الشرائية وحدها.
- لأنها تمنح الطلبة والباحثين بيئة مرجعية.
- لأنها تدعم فكرة “الكتاب كأرشيف دولة”، لا كسلعة فقط.
4) معارض الكتاب: موسم القراءة… وموسم التزوّد
المعارض الثقافية تخلق عادةً ذروة في شراء الكتب، لأنها تجمع ناشرين وعناوين كثيرة في وقت واحد. تقارير تحدثت عن تنظيم معرض الكتاب السوري في دمشق داخل مكتبة الأسد الوطنية، مع تأكيد شعار يروج للقراءة وأهمية المعرض ثقافياً.
ومهما اختلف تقييم الناس للمعارض من حيث الأسعار أو التنظيم، تبقى فائدتها العملية واضحة:
- تفتح نافذة على عناوين لا تتوافر بسهولة في المكتبات الصغيرة.
- تشجع “الشراء المخطط”: قائمة مشتريات بدلاً من شراء عشوائي.
- تخلق حواراً حول الكتاب نفسه: توقيع، ندوة، لقاء ناشر.
5) دور النشر والمكتبات الخاصة: استمرار “سلسلة الكتاب” رغم الانكماش
في أي مدينة، لا تعيش القراءة من دون “سلسلة كتاب”: نشر، طباعة، توزيع، بيع، ثم قارئ.
ومن الأسماء المعروفة إقليمياً دار الفكر التي تذكر صفحتها التعريفية أنها تأسست عام 1957 وتركز على نشر ثقافة الكبار والأطفال.
كما تُذكر مكتبات متخصصة في الكتب الأجنبية أو عناوين مختارة. مثال ذلك “ExLibris Damascus” التي تُعرّف نفسها بأنها مكتبة تمثل وتوزع عناوين لعدد من الناشرين البريطانيين وتقدم مساحة أدبية في دمشق.
هذه المؤسسات مهمة لأنها تمنح القراءة وجهاً متنوعاً:
- قارئ عربي تقليدي.
- قارئ أكاديمي يبحث عن مرجع.
- قارئ إنجليزي أو ثنائي اللغة.
6) كيف يحافظ الدمشقيون على علاقتهم بالمعرفة؟ “استراتيجيات قراءة” واقعية
بدلاً من صورة مثالية عن القارئ، الواقع يظهر عدة طرق عملية يستخدمها الناس في دمشق:
1) شراء الكتاب المستعمل وتدوير النسخة
الكتاب المستعمل يقلل الكلفة، ويجعل القراءة ممكنة لطلاب وشباب كثيرين. كما يخلق سوقاً ثانوياً سريع الحركة: أقرأ ثم أبيع، أو أشتري ثم أستبدل.
2) القراءة عبر “التبادل”
الدمشقيون—مثل كثير من المجتمعات—يلجؤون إلى تبادل الكتب بين الأصدقاء والعائلة. هذه “مكتبة اجتماعية” لا تحتاج بطاقة عضوية.
3) المكتبات العامة والجامعية
وجود مكتبة وطنية كبيرة مثل مكتبة الأسد، إضافة إلى مكتبات جامعية، يفتح باب الاطلاع دون شراء دائم، وهو عامل مهم خصوصاً للباحثين.
4) القراءة الرقمية عندما تتوفر
القراءة الرقمية لا تلغي الورق، لكنها تقدم حلولاً:
- تحميل كتاب للبحث أو الدراسة.
- متابعة مقالات ومجلات.
- الاستفادة من نسخ إلكترونية عندما يصعب توفر الطبعة الورقية.
5) تجزئة الهدف: “أقرأ القليل باستمرار”
كثيرون انتقلوا من فكرة “أقرأ كتاباً كل أسبوع” إلى فكرة “أقرأ يومياً 10 دقائق”. هذا التعديل لا يقلل قيمة القراءة، بل يجعلها قابلة للاستمرار.
7) ما الذي تغيّر في سوق الكتاب؟ قراءة محايدة دون مبالغة
هناك عاملان يغيران شكل القراءة في دمشق اليوم:
- الاقتصاد والقدرة الشرائية: ارتفاع الكلفة يدفع نحو المستعمل، والبحث عن عروض، وتبادل الكتب، وتقليل الشراء العشوائي. (هذه خلاصة سلوكية عامة دون أرقام قاطعة).
- بيئة النشر والاستيراد: تقارير صحافية دولية تحدثت عن تحولات في سوق الكتب، منها عودة بعض العناوين إلى الرفوف بعد فترات كانت فيها رقابة أشد، مع استمرار صعوبات الاستيراد.
الاستنتاج العملي هنا: القراءة لم تختفِ، لكنها تغيّرّت في “قنواتها” و”تكلفتها” و”حدودها”.
8) فرص حقيقية لتعزيز القراءة في دمشق
إذا أردنا الحديث عن “مستقبل القراءة” بلغة عملية، فهناك فرص قابلة للتنفيذ:
- نوادٍ قرائية صغيرة في الأحياء: لقاء شهري ثابت يعيد للكتاب حضوره الاجتماعي.
- تعاون بين مكتبات الحلبوني والجامعات: خصومات طلابية، أو رفوف مستعمل منظمة.
- مبادرات تبادل كتاب: صندوق تبادل في مقهى أو مركز ثقافي.
- رقمنة الفهارس والإتاحة: تحسين الوصول إلى مقتنيات المكتبات العامة.
- معارض أكثر تخصصاً: كتب أطفال، تعليم، مهارات، لغات—لتقليل ضياع القارئ داخل زحام العناوين.
أسئلة شائعة (FAQ)
ما هو شارع الحلبوني في دمشق ولماذا يرتبط بالكتب؟
هو حي/شارع قريب من محطة الحجاز وجامعة دمشق، وتذكر مصادر محلية أنه تحول إلى مكان تتجمع فيه المكتبات والمعاهد والأنشطة المرتبطة بالكتب.
أين يجد القارئ الدمشقي كتباً بأسعار أقل؟
تذكر تقارير صحافية وجود بسطات كتب في مواقع مثل جسر الحرية، إضافة إلى سوق الكتاب في الحلبوني والكتب المستعملة.
ما أهمية المكتبة الوطنية للقراء والباحثين؟
تعمل كمكتبة وطنية وبوظيفة الإيداع القانوني، وتقع قرب ساحة الأمويين، وتعد من المؤسسات المرجعية لحفظ الكتب والمخطوطات وإتاحتها.
هل توجد معارض كتاب في دمشق؟
وردت تقارير عن تنظيم “معرض الكتاب السوري” في دمشق داخل مكتبة الأسد الوطنية، بوصفه فعالية ثقافية لتعزيز القراءة.
خاتمة: علاقة دمشق بالكتاب… تتغير لكنها لا تنقطع
الدمشقيون يحافظون على علاقتهم بالمعرفة لأن المدينة تمتلك ثلاث ركائز تتعاون تلقائياً: سوق كتاب (الحلبوني)، بدائل شعبية (البسطات)، ومؤسسات مرجعية (المكتبة الوطنية). وبين هذه الركائز، يتكيف القارئ مع الواقع عبر المستعمل والتبادل والرقمي والمعارض. النتيجة ليست “ازدهاراً مثالياً”، لكنها استمرار ذكي لعلاقة قديمة: دمشق تقرأ، حتى عندما تضيق عليها الأسباب.