لماذا تُفهم دمشق من الماء؟
دمشق مدينة “تعيش على حافة الجفاف”، ومع ذلك استطاعت عبر قرون أن تبني واحة حضرية مستقرة بفضل مصادر محددة للمياه. لذلك، عندما نتحدث عن مصادر المياه في دمشق فنحن لا نتحدث عن خدمة فقط، بل نتحدث عن شرط تاريخي لقيام المدينة واستمرارها. وبالإضافة إلى ذلك، يفسّر الماء كثيراً من تفاصيل دمشق: من ازدهار الغوطة، إلى توزع الأحياء، وصولاً إلى أنماط التخزين فوق الأسطح اليوم.
أولاً: ما هي مصادر المياه الرئيسية لدمشق؟
يمكن تبسيط مصادر مياه دمشق الحديثة إلى أربع سلال رئيسية (مع اختلاف الأهمية النسبية بين زمن وآخر):
- ينابيع وادي بردى وعلى رأسها عين الفيجة (مصدر شرب محوري).
- المياه السطحية المرتبطة بحوض بردى (تاريخياً للري، وأحياناً مكملة للشرب حسب الظروف).
- الآبار والمياه الجوفية (كمصدر دعم أو بديل في أوقات النقص).
- مصادر مساندة وإجراءات طوارئ (مثل صهاريج المياه عند الانقطاعات).
ومن بين هذه المصادر، تُعد عين الفيجة الأكثر حضوراً في ملف مياه الشرب الدمشقي. إذ تذكر تقارير حديثة أن الفيجة تاريخياً كانت مسؤولة عن نحو 70% من إمداد دمشق بالمياه، وأن تراجع غزارتها كان سبباً مباشراً لأزمة مائية واسعة في 2025.
ثانياً: عين الفيجة… قلب منظومة مياه الشرب الدمشقية
تقع عين الفيجة في وادي بردى غرب دمشق، وتذكر وكالة أسوشيتد برس أن الينبوع يخرج قرب/داخل بقايا معبد روماني في الوادي، وأنه زوّد دمشق بمياه الشرب “لآلاف السنين”.
الأهم هنا أن الفيجة ليست مجرد نبع؛ بل هي منظومة التقاط ومعالجة ونقل: أنفاق/مجارٍ مائية، تجهيزات ضخ وترشيح، ثم خط نقل إلى المدينة.
وعندما يتراجع تدفق الفيجة، تظهر الأزمة بسرعة لأن دمشق تعتمد عليها بشكل كبير. ففي 2025 ربطت تقارير دولية الأزمة بـ أدنى هطل شتوي منذ عقود طويلة وبانخفاض واضح في تدفق الينبوع، ما أدى إلى تقنين قاسٍ ووصول كثير من السكان إلى خيار الصهاريج.
ثالثاً: لمحة تاريخية… من مشاريع جرّ المياه إلى الشبكات الحديثة
1) دمشق قبل مشاريع الشبكات الحديثة
في بدايات القرن العشرين، ناقشت دراسات جغرافية/تاريخية مصادر مياه دمشق وذكرت ينابيع كبرى في الحوض (ومنها ما يُسمّى “عين بردى” في بعض الأدبيات)، ما يعكس أن المدينة كانت تعتمد على مزيج من الينابيع والقنوات والتوزيع المحلي.
2) “مشروع الفيجة” في العهد العثماني المتأخر
واحدة من نقاط التحول المهمة كانت مشروع جرّ مياه عين الفيجة إلى دمشق في سياق صحيّ طارئ. إذ توثق دراسة تاريخية أن السلطان عبد الحميد الثاني وافق عام 1903 على مشروع لجلب مياه الشرب من عين الفيجة، وقد جاء المشروع ضمن سياق وبائي (الكوليرا) شهدته دمشق في ذلك العام.
وهنا تظهر فكرة محورية: الاستثمار في ماء نظيف لم يكن رفاهية، بل كان جزءاً من إدارة الصحة العامة.
رابعاً: كيف تنتقل المياه “تقنياً” من المصدر إلى البيت؟
لفهم شبكة المياه المنزلية في دمشق، من المفيد أن نتبع مسار الماء خطوة بخطوة. وبشكل مبسّط، تمر المياه عادة بالمراحل التالية:
1) الالتقاط (Capture)
تلتقط الجهات المشغلة مياه الينابيع (مثل الفيجة وبردى) عبر مداخل محمية ومنشآت تحكم، بحيث يقل التلوث المباشر وتُدار الغزارة وفق الحاجة. وفي أزمات الجفاف، يصبح التحكم بالغزارة وتوجيه التدفق أكثر حساسية لأن “الهامش” ضيق.
2) المعالجة الأولية (Treatment)
بعد ذلك، تمر المياه عادة عبر ترشيح/معالجة (حسب الجودة) ثم تعقيم، لأن مياه الشرب يجب أن تكون آمنة ميكروبياً. وقد أشارت تقارير ميدانية إلى وجود “معدات ضخ وترشيح” ضمن منظومة الفيجة، ما يؤكد أن المسار ليس “نبعاً إلى صنبور” مباشرة.
3) النقل بخطوط رئيسية (Transmission Mains)
ثم تنتقل المياه عبر خطوط رئيسية إلى المدينة. وهذه المرحلة حساسة لأن أي كسر أو تسريب أو اعتداء على الخطوط يؤدي إلى فاقد كبير، خصوصاً في ظروف شحّ المياه.
4) الخزانات والتوزيع على المناطق (Storage & Zoning)
بعد ذلك، تخزّن المياه في خزانات/مستودعات (حسب الشبكة والمنطقة) لتثبيت الضغط وإدارة التوزيع. ومن ثم توزّع على “مناطق ضغط” أو قطاعات داخل المدينة.
5) الشبكة الثانوية والربط المنزلي (Distribution & House Connection)
أخيراً، تصل المياه عبر الشبكة الثانوية إلى الحي، ثم إلى “الاشتراك المنزلي” (عداد/وصلة). وبعدها يدخل الماء شبكة المنزل الداخلية.
6) لماذا خزانات الأسطح شائعة؟
هنا تدخل الخصوصية الدمشقية المعاصرة: عندما يكون التزويد متقطعاً، يعتمد كثير من الناس على خزانات أسطح ومضخات لرفع المياه وتخزينها. لذلك، يصبح جدول المياه والكهرباء معاً جزءاً من “هندسة الحياة اليومية”. وقد أشار تقرير AP إلى أن انقطاعات الكهرباء تعقّد ضخ المياه إلى خزانات الأسطح، ما يفاقم أثر الشح حتى عندما تأتي المياه لساعات محدودة.
خامساً: التحديات الكبرى… لماذا يزداد الضغط على مياه دمشق؟
التحديات ليست سبباً واحداً، بل سلسلة مترابطة. لذلك من الأدق أن نعرضها كمنظومة:
1) الجفاف وتذبذب الهطل والثلوج
أزمة 2025 قدمت مثالاً صارخاً: تقارير دولية ربطت الانخفاض الحاد في عين الفيجة بـ شتاء شديد الجفاف وبانخفاض الهطل مقارنة بالمعدلات، مع وصف الأزمة بأنها الأشد منذ عقود طويلة.
2) الاعتماد العالي على مصدر/حوض واحد
عندما تأتي نسبة كبيرة من مياه الشرب من مصدر محدد (كالفيجة)، يصبح النظام أقل مرونة أمام الصدمات. لذلك، أي تراجع في الفيجة ينعكس فوراً على المدينة وعلى الضواحي أيضاً.
3) تضرر البنية التحتية والحاجة لإعادة التأهيل
سنوات طويلة من الضغط على الشبكات تعني مزيداً من الأعطال والفاقد. وفي هذا السياق، أعلنت شركة هندسية أنها كُلّفت من اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) بإعداد “تشخيص ودراسة جدوى” لإعادة تأهيل منظومتي مياه الشرب في الفيجة وبردى.
وبالإضافة إلى ذلك، يشير ICRC إلى برامج دعم للبنى التحتية المائية الأساسية في عدة مدن سورية ضمن مقاربة “منشآت كبيرة لا يمكن أن تفشل” (Too Big to Fail)، ما يوضح حجم الرهان على استقرار الشبكات المركزية.
4) التلوث وضعف إدارة الصرف
حتى عندما تتوفر المياه، تبقى الجودة قضية حاسمة. لذلك، أي اختلاط بمياه صرف أو ملوثات يرفع كلفة المعالجة ويهدد الصحة العامة، كما أنه يقلل خيارات استخدام الموارد السطحية في أوقات الشح.
5) كلفة الحلول البديلة (الصهاريج والآبار)
عندما يطول التقنين، يلجأ السكان إلى صهاريج مياه أو إلى آبار محلية. لكن هذا الحل مكلف وغير متكافئ، لأن الأسر الأقل دخلاً تتضرر أكثر. وتذكر AP أن كثيرين اضطروا للاعتماد على “صهاريج خاصة” خلال الأزمة.
سادساً: ماذا يعني “أزمة مياه” داخل البيت؟
لكي يكون المقال عملياً، من المهم ترجمة التحديات إلى نقاط يشعر بها السكان داخل المنزل:
- ضغط منخفض وتذبذب التزويد: يصل الماء ساعات محدودة ثم ينقطع.
- تخزين منزلي إلزامي: خزانات أسطح ومضخات تصبح جزءاً من بنية البيت.
- تعقيد مزدوج مع الكهرباء: من دون كهرباء، لا تعمل المضخة جيداً، فيبقى الخزان فارغاً حتى لو جاءت المياه.
- حساسية أعلى للجودة: أي عكارة أو رائحة تخلق قلقاً، فيتجه الناس للفلترة المنزلية أو شراء مياه إضافية.
سابعاً: ما الذي يمكن فعله؟ مسارات واقعية لتحسين المرونة
لا توجد “وصفة سريعة”، لكن توجد حزمة حلول إذا اجتمعت تُحسن الاستقرار:
- إعادة تأهيل المصادر والشبكات: الدراسات المعلنة لإعادة تأهيل الفيجة وبردى خطوة ضمن هذا المسار.
- تقليل الفاقد والتسرب: لأن خفض الفاقد غالباً يعادل “مصدر ماء جديد” من حيث الأثر.
- تعزيز التخزين وإدارة الضغط: خزانات استراتيجية، وإدارة قطاعات التوزيع بشكل أدق لتقليل الانقطاعات العشوائية.
- حماية الحوض المائي: عبر تقليل التلوث في وادي بردى وحماية مناطق تغذية الينابيع.
- حلول طاقة للمضخات: لأن استقرار الكهرباء ينعكس مباشرة على استقرار المياه داخل البيوت.
- التواصل والشفافية في الجداول: عندما يعرف الناس جدول التزويد، يقل الهدر وتتحسن إدارة التخزين المنزلية.
أسئلة شائعة (FAQ)
ما المصدر الأهم لمياه الشرب في دمشق؟
تظهر تقارير حديثة أن عين الفيجة (في وادي بردى) تاريخياً زوّدت دمشق بحصة كبيرة من مياهها (نحو 70% وفق تقارير عن أزمة 2025).
لماذا أصبحت أزمة المياه أشد في 2025؟
لأن الشتاء كان شديد الجفاف مقارنةً بسنوات طويلة، ما خفّض تدفق عين الفيجة بشكل كبير وأدى إلى تقنين واسع والاعتماد على صهاريج في مناطق عديدة.
هل هناك جهود لإعادة تأهيل منظومة مياه دمشق؟
نعم. أُعلن عن تكليف من ICRC لإعداد تشخيص ودراسة جدوى لإعادة تأهيل منظومتي الفيجة وبردى.
لماذا يعتمد كثير من البيوت على خزانات أسطح؟
لأن التزويد قد يكون متقطعاً، فيحتاج الناس إلى تخزين المياه عندما تصل. كما أن ضخ المياه إلى الخزان يتأثر بانقطاع الكهرباء، ما يجعل التخزين ضرورة يومية.
دمشق بنت تاريخها على الماء، وبالأخص على ينابيع وادي بردى مثل عين الفيجة. ومع ذلك، فإن الاعتماد الكبير على مصدر رئيسي، إلى جانب الجفاف وتذبذب الهطل وتضرر البنية التحتية، يحوّل ملف المياه إلى أحد أكثر ملفات المدينة حساسية اليوم. لذلك، لا يكفي حل واحد: بل تحتاج دمشق إلى مزيج من إعادة التأهيل، تقليل الفاقد، حماية الحوض، وإدارة الطلب والطاقة—حتى تعود رحلة الماء من الفيجة إلى الصنبور رحلة أكثر استقراراً وأماناً.