نهر بردى: شريان الحياة الذي صنع أسطورة دمشق… وقصة التحوّل من الفردوس الغنّاء إلى واقع التحديات البيئية

نهر بردى هو النهر الأهم لدمشق تاريخياً: ينبع من جبال القلمون/ال Anti-Lebanon ويمرّ في المدينة ثم يتجه نحو بحيرة العتيبة، وقد غذّت عين الفيجة مجراه وزادت غزارته، كما قسّمته دمشق إلى فروع وقنوات صنعت واحة الغوطة. يواجه النهر اليوم تحديات متداخلة تشمل الجفاف، وتراجع معدلات الهطل، وتلوث مياه الصرف والنفايات، إلى جانب تغيّر استخدامات الأراضي، ما حوّل «فردوس الغوطة» إلى ملف بيئي معقّد يتطلّب إدارة فعّالة للموارد المائية، وحماية للمجرى، وتأهيلًا للبنى التحتية.


1) بردى: نهر صغير صنع مدينة كبيرة

قد يبدو بردى، مقارنةً بأنهار المنطقة الكبرى، نهراً محدود الطول والتدفق. ومع ذلك، صنع ما هو أكبر من حجمه: صنع واحة، ثم صنع مدينة، ثم صنع أسطورة.

تصف مصادر مرجعية مثل “بريتانيكا” بردى بأنه نهر غرب سوريا، يمتد قرابة 84 كم، يمر عبر دمشق وينتهي باتجاه بحيرة العتيبة ومستنقعاتها، كما تشير إلى أن عين الفيجة “تكاد تضاعف” حجم النهر في جزء من مساره، وأن مياه الفيجة جرى “تسخيرها” لتأمين مياه الشرب لدمشق.


2) من أين يأتي بردى؟

يرتبط اسم بردى في الوعي الدمشقي بـ وادي بردى وعين الفيجة أكثر مما يرتبط بخريطة الهيدرولوجيا. عملياً، يخرج بردى من نطاق جبال Anti-Lebanon شمال غرب دمشق، ثم يهبط عبر ممرات ضيقة قبل أن يصل إلى المدينة.

أما عين الفيجة فليست “تفصيلاً جمالياً”، بل هي عقدة استراتيجية في تاريخ المياه الدمشقي. تقرير لوكالة أسوشيتد برس عن أزمة 2025 يذكر أن عين الفيجة تقع ضمن آثار معبد روماني في وادي بردى، وأنها زوّدت دمشق بمياه الشرب لآلاف السنين، لكنها وصلت في ذلك العام إلى مستويات شديدة الانخفاض بعد أشد شتاء جفافاً منذ 1956 وفق مسؤولين محليين.


3) كيف صنع بردى “الغوطة”؟ عندما تتحول المياه إلى جغرافيا وهوية

هنا تبدأ الأسطورة بشكلها الواقعي: الماء لا يروي الأرض فقط، بل يرسم حدودها.

  • تقول مصادر تاريخية/تراثية إن بردى كان المصدر الرئيسي لمياه دمشق وغوطتها.
  • كما توثق أن بردى ينقسم إلى سبعة فروع، وأن شبكة أقنية فرعية كانت تغطي أراضي الغوطة لتوزيع المياه.

وبسبب هذا النظام، لم تبقِ الغوطة مجرد “ريف حول المدينة”، بل صارت حزاماً أخضر، وإحدى أهم نقاط التفوّق البيئي والاقتصادي لدمشق عبر قرون.

ومن ناحية أدبية، نقلت مصادر تراثية اقتباساً من رحلة ابن جبير يصف دمشق وغوطتها بوصف شديد الإيحاء بـ”الجنة على الأرض”، ويشبّه البساتين حول المدينة بالهالة حول القمر.


4) بردى داخل دمشق: نهر في المدينة أم مدينة حول النهر؟

عندما يدخل بردى دمشق، يتغير دوره:

  • في الريف يصنع الزراعة والبساتين.
  • وفي المدينة يصنع الذاكرة اليومية: الماء قرب البيوت، الأقنية، السقايات، والخرير الذي كان يرافق المشي.

وتُظهر مواد توثيقية/أرشيفية صوراً حديثة نسبياً لمجرى بردى داخل المدينة القديمة، بما يعكس كيف تعايش العمران مع مجرى محدود داخل نسيج كثيف.


5) نقطة التحوّل: من “ماء يوزَّع” إلى “مورد يُستنزف”

لم يحدث التراجع بسبب عامل واحد. بل تراكمت عدة عوامل، وكل عامل دفع الآخر:

أولاً: تغيّر المناخ وتراجع الهطل

تقرير AP عن 2025 يربط مباشرةً انخفاض تدفق عين الفيجة بأمطار أقل وثلوج أقل، ويذكر أن ذلك العام شهد أدنى هطل منذ 1956 وفق رئيس مؤسسة المياه في دمشق.

ثانياً: ازدياد الطلب السكاني وتوسع المدينة

مصادر مرجعية تذكر أن الغوطة كانت تاريخياً واحة واسعة، لكن النمو العمراني بدأ يستبدل الزراعة بالإسكان والصناعة منذ عقود، ما يضغط على موارد المياه ويقلّل من وظائف الحزام الأخضر.

ثالثاً: التلوث—عندما يتحول النهر إلى “مجرى نفايات”

كما تشير شهادات مزارعين إلى أن الجهات المعنية أوقفت تدفّق المياه إلى الغوطة عام 2019، وفقًا لما أورده التقرير.يلخّص تقرير Ensia هذا التحوّل بوضوح، إذ أدّت سنوات من الإفراط في استخدام المياه، والتلوث، والجفاف، إلى جانب آثار النزاع، إلى إضعاف نهر بردى وتحويله إلى مجرى ملوّث بالنفايات. كما تشير شهادات مزارعين إلى أن الجهات المعنية أوقفت تدفّق المياه إلى الغوطة عام 2019، وفقًا لما أورده التقرير.



6) أزمة الماء في دمشق اليوم: ماذا تقول الوقائع الموثّقة؟

في أزمة 2025، يذكر تقرير AP نقاطاً عملية تشرح ما يعنيه جفاف المصدر الأساسي للمياه:

  • عين الفيجة وبردى مصدر رئيسي لمياه نحو 5 ملايين شخص، وتؤمّن نحو 70% من مياه دمشق وضواحيها.
  • نحو 1.1 مليون منزل يعتمد على هذه المياه، ولذلك طُلب تخفيض الاستهلاك للتعامل مع الموسم.
  • بعض الأحياء حصلت على الماء لفترات قصيرة يومياً (مثل نحو 90 دقيقة يومياً في مثال أورده التقرير) مقارنة بسنوات كان الماء فيها أكثر انتظاماً.

وبالتوازي، تشير مبادرات هندسية/إغاثية إلى أهمية “إعادة تأهيل” أنظمة مياه الفيجة وبردى. على سبيل المثال، تقرير شركة GAUFF يذكر تكليفاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) لإعداد تشخيص ودراسة جدوى لإعادة التأهيل، ويقدّر اعتماد دمشق على هذه المصادر بنسبة كبيرة، مع أرقام سنوية تقريبية للإمداد.


7) لماذا تدهورت “أسطورة الفردوس” تحديداً؟

الأسطورة لم تكن وهماً. كانت نتيجة توازن: ماء + تربة + إدارة أقنية + حزام أخضر.

لكن عندما يختل عنصران أو ثلاثة معاً، تنهار الصورة بسرعة:

  • يقل المطر، فتقل التغذية الطبيعية للينابيع.
  • تزيد الضغوط على الشبكات، فتضعف الخدمة.
  • يدخل الصرف والنفايات إلى المجرى، فتتغير جودة الماء وتضيق الخيارات.

لهذا السبب، لا يكفي أن “يزداد التدفق” سنة واحدة كي تعود الغوطة فوراً. بل تحتاج دمشق إلى إدارة متكاملة تجمع بين حماية المصدر وضبط التلوث وترشيد الاستخدام وصيانة الشبكات.


8) ماذا يمكن أن يعيد بردى إلى الحياة؟ أفكار واقعية بلا شعارات

هذه ليست وصفة سحرية، لكنها مسارات عملية شائعة في إدارة الأحواض المائية، وتنسجم مع طبيعة المشكلة كما وصفتها التقارير:

  1. منع التلوث من المنبع إلى المصب: لأن النهر الضعيف لا “يخفف” التلوث؛ بل يتشبع به سريعاً.
  2. تقوية الحوكمة والرقابة على الصرف: أي فصل شبكات الصرف عن مجاري المياه حيث أمكن.
  3. صيانة البنى التحتية (الآبار، الأنفاق، محطات الضخ/الترشيح) لأن الحرب والإهمال يضاعفان الفاقد.
  4. إعادة الاعتبار للحزام الأخضر: حماية ما تبقى من الغوطة يساعد أيضاً في المناخ المحلي وجودة الهواء وامتصاص الضغط الحراري.
  5. إدارة الطلب: لأن تقليل الهدر، ولو بنسبة صغيرة، ينعكس مباشرة في مدينة تعتمد على مصادر متراجعة.

سئلة شائعة (FAQ)

ما طول نهر بردى وأين ينتهي؟

يمتد نهر بردى قرابة 84 كيلومترًا، ويمر عبر مدينة دمشق قبل أن يتجه شرقًا نحو بحيرة العتيبة ومستنقعاتها، وفقًا لموسوعة بريتانيكا.

ما علاقة عين الفيجة بنهر بردى ودمشق؟

تغذّي عين الفيجة نهر بردى، وتشكّل أحد المصادر الرئيسية لمياه الشرب في دمشق. وشهدت العين تراجعًا حادًا في غزارة المياه عام 2025 نتيجة الجفاف، بحسب تقرير لوكالة Associated Press.

لماذا يُقال إن الغوطة كانت “جنة دمشق”؟

تصف نصوص تراثية، من بينها ما أورده ابن جبير، دمشق وغوطتها وصفًا قريبًا من “الفردوس”، وتُرجِع مصادر التوثيق التراثي هذا الازدهار إلى وفرة مياه نهر بردى وتقسيمه إلى فروع وقنوات مخصّصة للري.

ما أهم مشاكل نهر بردى اليوم؟

تشير التقارير إلى أن الجفاف وتراجع معدلات الهطل يتداخلان مع التلوث والإفراط في استخدام المياه، ما أدّى في بعض الفترات إلى إضعاف جريان النهر وتحويله إلى مجرى مثقل بالنفايات.


نهر بردى ليس مجرد مجرى ماء؛ إنه بنية حياة صنعت الغوطة، ثم صنعت “أسطورة دمشق” كواحة خضراء في تخوم الصحراء. لكن الحكاية تغيّرت عندما اجتمع الجفاف وتراجع الهطل مع تلوث المجرى وضعف البنى التحتية والضغط السكاني. واليوم، تبدو استعادة بردى ممكنة فقط عبر مسار طويل: حماية المصدر (عين الفيجة)، تقليل التلوث، وإدارة الطلب وإصلاح الشبكات—أي إعادة بناء التوازن الذي صنع الفردوس في الأصل

Comments (0)
Add Comment